الشوكاني
478
فتح القدير
إلا بقدر معلوم " ومعنى ( فأسكناه في الأرض ) جعلناه مستقرا فيها ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في المستنقعات والغدران ونحوها ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه ، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى ، وفى هذا تهديد شديد لما يدل عليه من قدرته سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم ، ومثله قوله - قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين - ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء فقال ( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب ) أي أوجدنا بذلك الماء جنات من النوعين المذكورين ( لكم فيها ) أي في هذه الجنات ( فواكه كثيرة ) تتفكهون بها وتطعمون منها . وقيل المعنى : ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم كقوله : فلان يأكل من حرفة كذا ، وهو بعيد ، واقتصر سبحانه على النخيل والأعناب ، لأنها الموجودة بالطائف والمدينة وما يتصل بذلك . كذا قال ابن جرير . وقيل لأنها أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعما ولذة . قيل المعنى بقوله ( لكم فيها فواكه ) أن لكم في هذه الجنات فواكه من غير العنب والنخيل . وقيل المعنى : لكم في هذين النوعين خاصة فواكه ، لأن فيهما أنواعا مختلفة متفاوتة في الطعم واللون . وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق ؟ اختلافا كثير ، وأحسن ما قيل إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس ، وليست بقوت لهم ولا طعام ولا إدام . واختلف في البقول هل تدخل في الفاكهة أم لا ؟ وانتصاب شجرة على العطف على جنات ، وأجاز الفراء الرفع على تقدير : وثم شجرة فتكون مرتفعة على الابتداء وخبرها محذوف مقدر قبلها ، وهو الظرف المذكور . قال الواحدي : والمفسرون كلهم يقولون : إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون ، وخصت بالذكر لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي ، وهى التي يخرج الدهن منها ، فذكرها الله سبحانه امتنانا منه على عباده بها ، ولأنها أكرم الشجر وأعمها نفعا وأكثرها بركة ، ثم وصف سبحانه هذه الشجرة بأنها ( تخرج من طور سيناء ) وهو جبل ببيت المقدس ، والطور الجبل في كلام العرب ، وقيل هو مما عرب به كلام العجم . واختلف في معنى سيناء ، فقيل هو الحسن ، وقيل هو المبارك ، وذهب الجمهور إلى أنه اسم للجبل كما تقول جبل أحد . وقيل سيناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده ، وقيل هو كل جبل يحمل الثمار . وقرأ الكوفيون " سيناء " بفتح السين ، وقرأ الباقون بكسر السين ، ولم يصرف لأنه جعل اسما للبقعة ، وزعم الأخفش أنه أعجمي . وقرأ الجمهور ( تنبت بالدهن ) بفتح المثناة وضم الباء الموحدة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم المثناة وكسر الباء الموحدة . والمعنى على القراءة الأولى : أنها تنبت في نفسها متلبسة بالدهن ، وعلى القراءة الثانية : الباء بمعنى مع ، فهي للمصاحبة . قال أبو علي الفارسي : التقدير : تنبت جناحها ومعه الدهن . وقيل الباء زائدة . قاله أبو عبيدة ، ومثله قول الشاعر : هن الحرائر لا ربات أحمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور وقال آخر : * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج * وقال الفراء والزجاج : إن نبت وأنبت بمعنى ، والأصمعي ينكر أنبت ، ويرد عليه قول زهير : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل أي نبت . وقرأ الزهري والحسن والأعرج " تنبت " بضم المثناة وفتح الموحدة . قال الزجاج وابن جنى : أي تنبت ومعها الدهن ، وقرأ ابن مسعود " تخرج " بالدهن ، وقرأ زر بن حبيش " تنبت الدهن " بحذف حرف الجر . وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب بالدهان ( وصبغ للآكلين ) معطوف على الدهن : أي تنبت بالشئ الجامع بين